عدم الاستدامة: هل تتخلى صناعة الساعات عن المبادرات الخضراء؟

روبن سوينثبنك يتسائل إذا كان الأخضر هو اللون السائد حاليًا لمينا الساعات، فهل ستفقد صناعة الساعات السويسرية حماسها بشأن أهدافها المستدامة؟

دعونا نعود مرة أخرى إلى موضوع الاستدامة. لقد كنت أتابع موقف صناعة الساعات تجاه الاستدامة لعدة سنوات حتى الآن، متطلعًا إلى نهجها في الحد من الانبعاثات وصنع الساعات بطريقة أكثر صداقة للبيئة.

فعلى الرغم من ظهور أخبار سارة وعلامات واضحة على زيادة الشفافية على طول هذا الطريق، إلا أنني بدأت مؤخرًا أتساءل عما إذا حدث ما يعكر صفو ذلك.

في بداية العام، كنت أكتب لصحيفة فاينانشال تايمز حول موضوع الاستدامة، وتوجهت إلى ثلاث علامات تجارية رئيسية للساعات كانت في طليعة حركة الاستدامة في صناعة الساعات بشكل معلن للحصول على تعليقاتهم بشأن الأمر.

ولكنهم جميعًا رفضوا. وهو أمر غريب.

ثم في أواخر فبراير، زرت إحدى تلك العلامات التجارية. فبعد أن كانت منفتحة تمامًا على الموضوع، ونشرت تقارير استدامة خاصة بها وتباهت بسفراء استدامة بارزين لديها، فجأة أغلقت أبوابها. فالرسالة الآن، ببساطة، لم يعد لديهم ما يقولونه عما يفعلونه.

يثير هذا التصرف تساؤلاً محيرًا: ما الذي تحاول هذه العلامات إخفاءه؟

حسنًا، في الحقيقة لا أعلم. ولكن لدي فضول كبير لمعرفة ذلك. لأن الاستنتاج المنطقي الذي توصلت إليه لا يبشر بخير.

حاولت جاهدًا استكشاف الأسباب المحتملة وراء هذا الجمود المفاجئ في جهود الاستدامة. واستطعت تحديد ستة تفسيرات محتملة. لنبدأ بالاحتمال الأقل خطورة ونصعد تدريجيًا.

أولًا. الساعات منتجات مستدامة بطبيعتها. هذا ادعاء قديم يتكرر باستمرار، حيث يُقال إن الساعات الميكانيكية التي يتم الاعتناء بها جيدًا تدوم مدى الحياة، وبالتالي فهي منتجات مستدامة بلا جدال. وبالمقارنة مع الساعات الذكية السيئة والسيارات الكهربائية التي تستهلك كميات هائلة من الليثيوم والقمصان الرخيصة من متاجر “بريمارك” المصنوعة بعمالة الأطفال، يُمكن القول إن الساعات الميكانيكية منتجات مستدامة. وباستخدام حسابات تقريبية،

توصلتُ مؤخرًا إلى أن صادرات سويسرا السنوية من الساعات، من حيث الوزن، تعادل تقريبًا 230 شاحنة تسلا سايبر تراك فقط. وبناءً على هذا المعيار، هل من غير المعقول فرض أهداف الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ESG على صناعة الساعات؟ ربما يكون الأمر كذلك.

ثانيًا: استنزاف الموارد. إن بناء فريق متخصص في (البيئة، والمجتمع، والحوكمة)، وحساب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ووضع أهداف للحد منها، ومحاولة تحقيقها، والحفاظ على سردية عامة إيجابية، كلها أمور تتطلب موارد كثيرة.

وعلى صعيد العائد على الاستثمار، فإنه حتى لو كنت تعتقد أن العملاء يتوقون لشراء ساعات تتميز معايير استدامة قوية (وسنتناول هذه النقطة لاحقًا)، فمن المرجح أن يكون العائد ضئيلاً، بافتراض قدرتنا على قياسه. ببساطة، من المرجح جدًا أن تحقيق أرباح أكبر يرتبط بعدم استثمار الوقت أو المال في هذا المجال.

ثالثًا. القانون. في الوقت الحالي، ليس على الشركات الخاصة مثل رولكس Rolex وباتيك فيليب Patek Philippe (والتي تم انتقادها بشدة في تقرير الصناعة الصادر عن الصندوق العالمي للطبيعة العام الماضي لكونها “غير شفافة”) إطلاع أي جهة على ممارساتها الخاصة بمعايير ESG.

عادةً ما تفعل الشركات المدرجة في البورصة ذلك، ولكن ليس حسب العلامة التجارية أو القسم. لكن تيار الأمور يتجه عكس ما يصبون إليه. ففي العام الماضي، أقرَّ السويسريون قانون المناخ والابتكار، والذي من المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ العام المقبل، والذي يلزم الشركات السويسرية بتحقيق انبعاثات صفرية صافية بحلول عام 2050 على أقصى تقدير، مع وضع أهداف مرحلية مختلفة لخفض غازات الاحتباس الحراري خلال تلك المدة.

كما ستضطر الشركات السويسرية الكبيرة على الأرجح إلى الامتثال لتوجيه إعداد تقارير استدامة الشركات (CSRD) الصادر عن الاتحاد الأوروبي، والذي دخل حيز التنفيذ العام الماضي، والذي سيفرض بحلول عام 2028 إعداد تقارير ESG على الشركات السويسرية التي تزيد إيراداتها في الاتحاد الأوروبي عن 150 مليون يورو. يبدو أن الخناق يزداد على هذه الشركات.

رابعًا: هل لا يهتم العملاء بالاستدامة، أم يهتمون؟ عند قراءة تقارير مثل تقرير ديلويت السنوي الذي يحلل سلوكيات مستهلكي الساعات الفاخرة، قد يجعلك تظن بسهولة أنه إذا لم تتمكن شركات الساعات من إثبات حبها للدلافين، فستنهار أعمالها التجارية قبل أن تتمكن حتى من نطق مصطلح “الجيل ألفا” – مواليد ما بعد عام 2000.

لكن الحقيقة غير ذلك، فإذا سألت عدد من الأشخاص في إحدى مجموعات المناقشة عما إذا كانوا يهتمون بالبيئة، فسيجيب معظمهم “نعم”. ثم تراهم بعد ذلك يقودون سياراتهم الرياضية متوجهين إلى ستاربكس. ومن ناحية أخرى، ذكرت دراسة حديثة أجرتها شركة تيدزTeads أن 2% فقط من العملاء في الولايات المتحدة، و 1% فقط من العملاء في المملكة المتحدة يعتبرون التزام العلامة التجارية بالاستدامة أمرًا “جيدًا”. إذا كانت هذه هي الحقيقة، فستجد العلامات التجارية التي تحركها الأرباح أشياء أخرى للقيام بها والحديث عنها.

خامسًا: أهداف انبعاثات نطاق 3 المستحيلة. سرعان ما يدرك العلامات التجارية وتجار التجزئة الذين حددوا لأنفسهم أهدافًا لخفض غازات الاحتباس الحراري أن معظم الانبعاثات التي يمكن تحميل مسؤوليتها لهم بشكل معقول ليست منهم تمامًا. والأسوأ من ذلك، أن هناك القليل جدًا الذي يمكنهم فعله حيال هذا الأمر.

وكقاعدة عامة، تشكل انبعاثات نطاق 3 (أو غير المباشرة )، مثل تلك التي تنبعث من الشركات في دول ذات التلوث الشديد والأخلاقيات الضعيفة، ومن طائرات الشحن وشاحنات البضائع الملَوثة بالسخام، الغالبية العظمى من البصمة الكربونية لشركة صناعة الساعات.

إذ تبلغ نسبة انبعاثات النطاق 3 لدى شركة ريتشمونت (Richemont) 86٪، وأوريس (Oris) 85٪، وبريتلينغ (Breitling) 81٪. وتقول مجموعة ساعات سويسرا (Watches of Switzerland Group) إن انبعاثات نطاق 3 تشكل 98٪ من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الخاصة بها. ومع ذلك، تعهدت المجموعة بخفض هذه الانبعاثات بنسبة 42٪ بحلول عام 2030.

كيف ذلك؟ أتمنى لهم كل التوفيق لهم، لكن هذا ليس سؤالي للإجابة عليه.

وسادسًا. التهديد الدائم بظاهرة الغسل الأخضر. لدى المتشككين إجابة سريعة على سؤال سبب انسحاب العلامات التجارية وتجار التجزئة من محادثات الاستدامة، وهي: لأنه لا يوجد استدامة حقيقية.

وفي ظل رؤيتي لكثير من الأدلة التي تثبت أن هذا ليس صحيحًا تمامًا، فقد رأيت أيضًا الكثير من الأدلة التي تثبت العكس. فالعلامات التجارية التي تتطلع إلى بناء مصانع جديدة وزيادة الإنتاج وتوسيع شبكات المتاجر الفاخرة واستثمار مبالغ فيه في حملات تسويق عالمية شاملة، لا يمكنها ببساطة تنفيذ مخططات موازية لخفض انبعاثاتها وتتوقع نجاحها.

وفي حين أن قصة إعادة تدوير منتج ما أو استخدام مواد مستدامة كمصدر لها قد تبدو جيدة ضمن استراتيجية التسويق، إلا أنه إذا تبعها إصبع الاتهام المخيف على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن التأثير الصافي لن يكون سوى سلبيًا. فإذا كان هناك شيء أسوأ من عدم الاستدامة، فهو الادعاء بذلك ثم يتم ضبطك بسبب مخالفة بسيطة.

كل ما سبق يعني أنه من الأسهل والأكثر أمانًا والأكثر ربحية أن تصمت العلامات التجارية. ولكن هذا لا يعني أنهم سيكونون على حق.

هل يهم هذا الأمر؟ حسنًا، نعم يهم، إلا إذا كنت تعتقد أن تغير المناخ مجرد خدعة. فعلى الرغم من صغر حجم إنتاجها وأعداد عملائها نسبيًا، تتمتع صناعة الساعات الفاخرة بتأثير هائل على أفكار الجمهور. ويترتب على ذلك مسؤولية، على الرغم من أن القليل من العلامات التجارية تتحملها. قد يفرض القانون القضية في نهاية المطاف، ولكن في الوقت الحالي يبدو أنه ومع ارتفاع درجة حرارة الأرض، تتجاهل صناعة الساعات الفاخرة مسألة الاستدامة.

تابعوا المزيد: بريتلينغ BREITLING تُصدر تقريرها السنويَّ الثالث حول الإستدامة وتواصل مهمتها لأفضل الإنجازات

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *