حان وقت النهوض بصناعة الساعات البريطانية

مع اقتراب يوم صانعي الساعات البريطانيين الأول الذي سيقام في لندن بعد يومين فقط، يتساءل روبن سوثوينبانك عما إذا كانت العلامات التجارية في هذا البلد لا تستغل إمكاناتها الكاملة.

صادفت أثناء قرائتي لفظًا نادرًا لم أعهده من قبل وهو “أنتونومازيا” أو “الكناية”؛ وكم أثار هذا اللفظ فضولي اللغوي ودفعني للبحث عنه. “الكناية” ببساطة هي استبدال اسم بلفظ آخر، يصبح مع التكرار مألوفًا بنفس قدر الاسم الأصلي. نضرب مثلًا بمصطلح “ذا فاب فور”؛ أو “جيل 92” إن كنت من عشاق كرة القدم وتتابعها منذ زمن.

في الآونة الأخيرة، أثار مصطلح “صناعة الساعات البريطانية” تساؤلاتي: ما الذي نستخلصه من هذا المصطلح؟ هل هو مجرد كناية عن مجموعة متنوعة ومتفرقة من الأسماء التي تشكل صناعة عريقة تعاني من بعض أوجه القصور؟

أو، إذا كان مصطلح “صناعة الساعات البريطانية” هو الاسم، فما الذي قد يكون البديل؟ ربما المركز الحادي عشر لصناعة الساعات في العالم. أو الصناعة المحتضرة في بريطانيا العظمى.

قد يكون هذا الاسم المناسب.

يمكننا القول إن إجابتك ستعتمد على كيفية رؤيتك لصورة خدعة البطة والأرنب التي أشاعها فيتجنشتاين. أوضح الفيلسوف النمساوي أنه عند النظر إلى رسم خطي لبطة، سيرى البعض صورة بطة بينما سيرى البعض الآخر أرنبًا.

ولقد أطلق الفيلسوف على هذه الظاهرة اسم “الإدراك”، فالشخص الذي سبق ورأي شيئًا مختلفًا عن شخص آخر، يعرف أن الإدراك يلعب دورًا جوهريًا في فهمنا للأشياء.

فبالنسبة لبعض الأشخاص، يستحضر مصطلح “صناعة الساعات البريطانية” صورًا عظيمة من الماضي، وصُوَرًا لصانعي الساعات العظماء في القرنين السابع عشر والثامن عشر أمثال: توماس تومبيون “أبو صناعة الساعات الإنجليزية”، وجورج غراهام، وجون آرنولد “صانع الكرونومتر”، وبالطبع جون هاريسون، الذي ساعدت أدواته على تفوق بريطانيا وسيطرتها البحرية.

أما بالنسبة للبعض الآخر، قد يأتي إلى ذهنهم جورج دانيالز وخلفه المعاصر روجر سميث، بالإضافة إلى صانعي الساعات المعاصرين ممن يقفون وراء تشارلز فرودشام وجاريك وستروثرز وآخرين.

فبالنسبة لهؤلاء، سيصعب عليهم فهم بعض المصطلحات العويصة مثل “الكرونومتر المزدوج”.

أما بالنسبة لباقي الأشخاص، فستشير هذه المصطلحات إلى مجموعة من رواد الأعمال الذين استغلوا الاهتمام المتجدد بصناعة الساعات الميكانيكية خلال العشرين عامًا الماضية ليطلقوا أعمالهم التجارية الخاصة.

وتُعد “بريمونت” Bremont و”كريستوفر وارد” Christopher Ward من علامات الساعات المعاصرة التي تمثل معايير القرن الحادي والعشرين لصناعة الساعات البريطانية، على الرغم من الخلاف الطويل الأمد بينهما. فإحداهما تحاول إحياء صناعة الساعات الصناعية في بريطانيا والأخرى تمثل بريطانيا في مسابقة جنيف الكبرى للساعات (GPHG).

كل هذا قبل أن نذكر علامات صناعة الساعات المتميزة مثل بامفورد لندن Bamford London، وستوديو أندردوغ Studio Underd0g، وعلامة مستر جونز واتشزMr Jones Watches، التي تُعد قصة غير مروية في سجل صناعة الساعات البريطانية.

ولا شك أن جميع وجهات النظر هذه صحيحة. فصناعة الساعات البريطانية هي كل هذه العلامات المميزة وأكثر(مرحبًا بكم، عشاق تصميم أنورديان Anordain، وفارير Farer، وسكوفيلد آند بينين Schofield and Pinion، ومرحبًا بكم في رحلة إحياء فيركس Vertex وفيرز Fears ودكوورث بريستيكس Duckworth Prestex)

تعيش صناعة الساعات البريطانية حالة انتعاش جيدة، وذلك بفضل تنوعها الكبير، وتوفرها بفئة أسعار مناسبة مثل العلامات تجارية الشهيرة سيكوند seconde/seconde/ واكوريست Accurist وروتي فضلًا عن ظهور علامات جديدة باستمرار.

ولكن على الرغم من ذلك، لا يسود هذا الشعور على الإطلاق.

فما المقصود بصناعة الساعات البريطانية؟ وما الذي يميزها؟ ولماذا يجب أن يهتم أي شخص بصناعة الساعات البريطانية؟

روبن سويثنبانك

هذه مجرد مقدمة- وأنا لا أعتقد أنني أتحيز لوطني هنا – لأن من حيث المبدأ، كان يفترض أن تلاحق صناعة الساعات البريطانية صناعة الساعات السويسرية عن كثب، مستفيدة من تاريخها العريق وحقيقة أن بلادنا (نعم، حقًا) تزخر بالكفاءات والمواهب. وإن لم يكن ذلك صحيحًا من الناحية الاقتصادية أو السياسية، فبالتأكيد هو صحيح من حيث المواهب والإبداع والأسلوب والطموح.

ولكن بمجرد أن تتخطى حدودنا، يجهل الكثيرون حول العالم تمامًا وجود صناعة ساعات بريطانية، ناهيك عن اهتمامهم بها.

يمكن القول أن بريمونت هي أفضل علامة تجارية نصدرها، وفي ظل استثمارات بيل أكمان وهيل كات Hellcat، وتحت قيادة ديفيد سيراتو، يمكنها أن تمنح بريطانيا مكانة تتجاوز شهرة قصر باكنغهام وسيارات أستون مارتن وملعب ومبلي. لكن إنتاجها الحالي السنوي الذي يبلغ حوالي 10,000 ساعة لا يمثل سوى قطرة صغيرة في بحر 16 مليون قطعة تُنتجها سويسرا كل عام.

ولكن، حتى لو حظيت صناعة الساعات البريطانية ببعض الشهرة، لا يزال يُنظر إليها على أنها صناعة محلية صغيرة، يمتهنها إما أشخاص غريبي الأطوار يمارسون هواياتهم في ورشهم، أو أبناء الطبقة المتوسطة في إنجلترا ممن يقودون سيارات روفر. نحن منعزلون، والأسوأ من ذلك هو أننا لا نتميز بصفة مميزة واحدة.

على سبيل المثال، قارن بين نظرة الناس لصناعة الساعات الألمانية أو اليابانية. فحتى الفرنسيون يفعلون الأمور بشكل صحيح على ما يبدو؛ وأنا هنا أتحدث عن شركات مثل بالتبك وويمز ومارش لاب وليس عن إبداعات بيوت الأزياء الباريسية التي لا تركز على صناعة واحدة بعينها (على الرغم من أن الصعود الصاروخي الذي حققته هيرمس مؤخرًا يجعلها استثناءً يستحق التأمل).

لا أقصد من هذا الكلام التقليل من جهود صناعة الساعات في المملكة المتحدة، إذ أنّ الخطوات الحثيثة لتأسيس تحالف محلي بقيادة روجر سميث ومايك فرانس من كريستوفر وارد غرضه حشد جميع الأطراف المعنية تستحق كل الإشادة والتقدير ويجب دعمها بكل قوة.

يمكن أن تكون التحالفات نقطة قوة. كما يستحق يوم صانعي الساعات البريطانيينالامتنان والتقدير.

وفي السياق نفسه، أتمنى ألا يكون آخر أمنياتي في الحياة هو تسوية الخلاف الهائل الذي يفصل هذه الساعات عن ساعات بريمونت، والذي يُضاهي حجم الخلاف بين الأمير هاري والعائلة المالكة.

لكن لن تُحدث أي تحالفات تغييرًا حقيقيًا ما لم تتمكن من جذب انتباه العالم بأسره.

فما المقصود بصناعة الساعات البريطانية؟ وما الذي يميزها؟ ولماذا يجب أن يهتم أي شخص بصناعة الساعات البريطانية؟

والآن بعد كشف النقاب عن الحقيقة المزعجة، عليّ أن أطرح بعض الأفكار الإيجابية. فالبريطاني معروف، إلى حد ما، بطبعه الانتقادي وتقبله للنقد.

دائمًا ما أبدأ كتابة أفكاري على الورق، بنهج مؤلف من ثلاثة خطوات. إذا كان الألمان معروفين بدقتهم وحرصهم على التفاصيل وأمانتهم، واليابانيون بهوسهم وابتكارهم واحترامهم، فماذا عنّا؟

في الوقت الحالي، لا يمكننا نلومك إذا ظننت أن صناعة الساعات البريطانية منغلقة على نفسها، وكثيرة الشكوى والانتقاد، ومملة للغاية. وهذا الأمر يثير قلقنا. لأننا نحن البريطانيين في أفضل حالاتنا، نتمتع بالرقيّ والابتكار والسحر.

فنحن بلد النجاحات الهائلة مثل شارع سافيل رو، ومخترعو الشبكة العنكبوتية العالمية، ومؤلفو مسلسل بلاكادار، بالطبع (لكننا لدينا إخفاقات تتمثل في متجر بريمارك، والصواريخ التي تتساقط في البحر، ومسلسل السيدة براونز بويز – ولكن هذا لا يهم). هل قمت بتبسيط الأمر؟ بالتأكيد. لكن لا بأس بذلك، فنحن نعلم أن العالم يحبنا عندما نكون على هذا النحو.

علينا أن نكون مزيجًا من الرقي والابتكار والسحر، مع إحداث بعض الضجة، وهذا ليس من طابع البريطانيين على الإطلاق. إذ يمكنك إثارة الإعجاب والدهشة دون التباهي بشكل مبالغ فيه.

فبالنظر إلى شركة سكند/سكند، نجد الفنان الفرنسي البارع والفوضوي المبهج الذي يحطم عالم صناعة الساعات حاليًا بتعاوناته غير التقليدية والجذابة للغاية. ففي أقل من عامين، وبقليل من الذكاء والخيال، صمم علامة تجارية وقصة فرنسية مميزة لا يمل منها من يهوى شراء الساعات والعلامات التجارية الفاخرة.

وفي الوقت الحالي، تُعد علامة “سكند/سكند” مثالًا رائعًا على “الكناية” – حيث يختفي الاسم الحقيقي روماريك أندريه خلف هذا المصطلح.

يجب أن تحذو صناعة الساعات البريطانية حذو “أندريه”.

Join the Conversation

1 Comment

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *